فخر الدين الرازي

64

تفسير الرازي

وقوله : * ( ما يأتيهم ) * الضمير يجوز أن يكون عائداً إلى قوم حبيب ، أي ما يأتيهم من رسول من الرسل الثلاثة إلا كانوا به يستهزؤون على قولنا الحسرة عليهم ، ويجوز أن يكون عائداً إلى الكفار المصرين . * ( أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ ) * ثم إن الله تعالى لما بين حال الأولين قال للحاضرين : * ( ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون ) * أي الباقون لا يرون ما جرى على من تقدمهم ، ويحتمل أن يقال : إن الذين قيل في حقهم : * ( يا حسرة ) * ( يس : 30 ) هم الذين قال في حقهم : * ( ألم يروا ) * ومعناه أن كل مهلك تقدمه قوم كذبوا وأهلكوا إلى قوم نوح وقبله . وقوله : * ( أنهم إليهم لا يرجعون ) * بدل في المعنى عن قوله : * ( كم أهلكنا ) * وذلك لأن معنى : * ( كم أهلكنا ) * ألم يروا كثرة إهلاكنا ، وفي معنى ، ألم يروا المهلكين الكثيرين أنهم إليهم لا يرجعون ، وحينئذٍ يكون كبدل الاشتمال ، لأن قوله : * ( أنهم إليهم لا يرجعون ) * حال من أحوال المهلكين ، أي أهلكوا بحيث لا رجوع لهم إليهم فيصير كقولك : ألا ترى زيداً أدبه ، وعلى هذا فقوله : * ( أنهم إليهم لا يرجعون ) * فيه وجهان أحدهما : أهلكوا إهلاكاً لا رجوع لهم إلى من في الدنيا وثانيهما : هو أنهم لا يرجعون إليهم ، أي الباقون لا يرجعون إلى المهلكين بنسب ولا ولادة ، يعني أهلكناهم وقطعنا نسلهم ، ولا شك في أن الإهلاك الذي يكون مع قطع النسل أتم وأعم ، والوجه الأول أشهر نقلاً ، والثاني أظهر عقلاً ، ثم قال تعالى : * ( وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ) * لما بين الإهلاك بين أنه ليس من أهلكه الله تركه ، بل بعده جمع وحساب وحبس وعقاب ، ولو أن من أهلك ترك لكان الموت راحة ، ونعم ما قال القائل : ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده من كل شيء وقوله : * ( وإن كل لما ) * في إن وجهان أحدهما : أنها مخففة من الثقيلة واللام في لما فارقة بينها وبين النافية ، وما زائدة مؤكدة في المعنى ، والقراءة حينئذٍ بالتخفيف في لما وثانيهما : أنها نافية ولما بمعنى إلا ، قال سيبويه : يقال نشدتك بالله لما فعلت ، بمعنى إلا فعلت ، والقراءة حينئذٍ بالتشديد في لما ، يؤيد هذا ما روي أن أبياً قرأ * ( وما كل إلا جميع ) * وفي قوله سيبويه : لما بمعنى إلا وارد معنى مناسب وهو أن لما كأنها حرفا نفي جمعاً وهما لم وما فتأكد النفي ، ولهذا يقال في